Document - تونس: باسم الأمن: استباحة حقوق الإنسان في تونس

محتوى التقرير

1. مقدمة 1

حول هذا التقرير 4

خلفية 6

.2 القوانين والسياسات الخاصة "بمكافحة الإرهاب" في تونس 11

قوانين مكافحة الإرهاب في تونس 11

دور إدارة أمن الدولة 13

.3 عمليات التوقيف والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاختفاء القسري 14

انتهاك إجراءات الاعتقال 15

الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي لفترة طويلة والاختفاء القسري 16

عدم إبلاغ العائلة 18

تزييف تاريخ الاعتقال 18

محمد أمين الجزيري 19

.4 التعذيب لانتزاع "الاعترافات" 21

أساليب التعذيب وأغراضه 21

نوفل الساسي 22

ازدراء الضمانات ضد التعذيب 23

وليد العيوني 25

.5 إجراءات قضائية تؤدي إلى محاكمات جائرة 27

قضاء يفتقر إلى الاستقلال 29

الحرمان من الاتصال بالمحاميين بشكل عاجل 29

انتهاك الحق في الدفاع 30

محمد أمين دياب 33

استخدام المعلومات التي تُنتزع تحت وطأة التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة 34

محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية 35

عقوبة الإعدام 35

صابر الراقوبى 36

6. الانتهاكات داخل السجون 37

سيف الله بن حَسين 38

رمزي العيفي وآخرون 39

7. الانتهاكات ضد من أُعيدوا إلى تونس 40

لوكسمبورغ: توفيق السالمي 42

جمهورية إيرلندا: عادل الرحالي 43

البوسنة والهرسك: بدر الدين الفرشيشي 43

إيطاليا: فؤاد الشريف بن الفيتوري 44

مصر: آدم بوقديده وأيمن الحكيري 45

فرنسا: حسين طارخاني 45

الولايات المتحدة الأمريكية: عبد الله الحجي ولطفي لاغا 46

8. خـاتمة 47

توصيات 49

1. مقدمة

"ونحن نعتقد أن تحقيق هذه الغاية[منع وقوع الإرهاب وتفشيه]، يتوقف إلى حد بعيد على الأساليب التي نتوخاها في مكافحة الإرهاب، وأبرزها: أن لا نقابل العنف بالعنف، وأن لا نعتمد كليا على الحلول الأمنية التي تبقى ضرورية لكنها غير كافية."1

الرئيس زين العابدين بن علي، نوفمبر/تشرين الثاني 2007

قال زياد فقراوي، البالغ من العمر 27 عاماً، لقاضي المحكمة في مارس/آذار 2007 إنه تعرض للتعذيب عندما كان محتجزاً لدى الشرطة في إدارة أمن الدولة التابعة لوزارة الداخلية والتنميةالمحلية. وذكر أسماء الأشخاص الذين ادعى أنهم مسئولون عن تعذيبه. وقال إنه نتيجةً للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، وعدم الحصول على الرعاية الطبية، أصبح الآن عاجزاً جنسياً. وطلب أمام المحكمة إخضاعه لفحص طبي وفتح تحقيق في أفعال التعذيب التي مورست ضده وتقديم المسئولين عنها إلى العدالة.

ورفض القاضي تسجيل مزاعم زياد فقراوي في سجلات المحكمة، كما رفض طلبه بإجراء فحص طبي له للتأكد من وجود أدلة على التعذيب. وفي أبريل/نيسان 2007 قدم محاموه شكوى إلى الوكيل العام؛ وتضمنت تلك الشكوى أسماء الأشخاص الذين زُعم أنهم قاموا بتعذيب زياد فقراوى.2وفي مطلع يونيو/حزيران 2008، لم يتلق محاموه أي رد من مكتب الوكيل العام؛ كما لم يتلقوا أية معلومات تشير إلى إجراء تحقيق في تلك المزاعم.

وقالت والدته لمنظمة العفو الدولية إنه اقتيد إلى الحجز في حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً بتاريخ 18 أبريل/نيسان 2005. فقد جاء رجال أمن يرتدون ملابس مدنية إلى منـزله في المحمدية بضواحي العاصمة تونس، ولم يقدموا أية أسباب للقبض عليه. وقالت إنهم عادوا في اليوم التالي وأخذوا قصاصة ورق كُتب عليها رقم هاتف، وقالوا لها ألا تقلق وأنه سيتم الإفراج عن ابنها عما قريب. ولم تحصل عائلة زياد فقراوي على أي معلومات أخرى إلا عندما مثُل زياد أمام قاضي التحقيق في 30 أبريل/نيسان 2005، حيث أُبلغ بأنه سيتم نقله إلى سجن 9 أفريل في تونس.

ويذكر محضر بحث الشرطة بشكل غير صحيح أنه قُبض على زياد فقراوي في 26 أبريل/نيسان 2005، أي بعد ثمانية أيام من التاريخ الحقيقي للقبض عليه. وعندما مثُل أمام قاضي التحقيق، لم يُسمح له بالاستعانة بمحام؛ وحُرم الآخرون من المشتبه فيهم في القضية نفسها من توكيل محاميين، واستجوبهم قاضي التحقيق في وقت متأخر من الليل، خارج ساعات الدوام الرسمي المعتادة، وذلك على ما يبدو، للحؤول دون حصولهم على مساعدة محاميي الدفاع. وفيما بعد اتُهم جميع المشتبه فيهم، بموجب قانون مكافحة الإرهاب،3بارتكاب جرائم متنوعة، من بينها الانتماء إلى منظمة إرهابية والتحريض على الإرهاب.

وقالت والدة زياد فقراوي إنها تمكنت من زيارة ابنها في السجن للمرة الأولى في 2 مايو/أيار 2005، أي بعد 15 يوماً من تاريخ اعتقاله. وقد لاحظت حروقاً بالقرب من عينه اليمنى، يبدو أنها ناجمة عن الحرق بلفافات التبغ. كما لاحظت أن حالته العقلية مضطربة – حيث سأل عن أخبار شقيقه هيثم الذي ورد أنه لقي حتفه في العراق وعن والده المتوفى. وخلال الزيارات اللاحقة، قال لوالدته ومحامييه إنه اقتيد إلى وزارة الداخلية بعد اعتقاله وتعرض للتعذيب؛ فقد عُلق بالسقف وضُرب بالعصي على جميع أجزاء جسمه، وأُشعلت النار بشعر عانته بواسطة ولاعة سجائر، وأُحرق بالقرب من عينيه بلفافات التبغ المشتعلة. وقال أيضاً إن أفراد الأمن قاموا بعصر خصيتيه إلى أن أُغمي عليه، وبعدها لاحظ نزول دم في بوله لعدة أيام، ولكنه لم يتلق أية مساعدة طبية. وقال لوالدته ومحامييه إن أفراد الأمن قاموا، بعد مرور بضعة أيام على اعتقاله، بنقله في سيارة في ساعة متأخرة من الليل إلى منطقة مهجورة في قرطاج، على بعد 15 كيلومتراً إلى الشمال من تونس العاصمة، حيث انهالوا عليه بالضرب والركل على رأسه، وطلبوا منه إبلاغهم بأماكن وجود المشتبه فيهم الآخرين في القضية نفسها.

في سبتمبر/أيلول 2007، بدأ إضراباً عن الطعام لمدة حوالي شهرين احتجاجاً على عدم الاستجابة لطلبه بمراجعة طبيب وعلى عدم التحقيق في مزاعمه المتعلقة بتعرضه للتعذيب وإفلات جلاديه المزعومين من العقاب. ورفضت إدارة السجن عدة مرات السماح لمحامييه وأقربائه بزيارته في الفترة بين سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني 2007، ومرة أخرى في ديسمبر/كانون الأول 2007. وعندما نُقل إلى سجن برج الرومي في نوفمبر/تشرين الثاني 2007، وُضع في العزلة، ولم يُسمح له بالاستحمام، وحُرم من الحصول على رعاية طبية كافية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2007، حُكم عليه، مع المتهمين الآخرين في القضية نفسها، بالسجن لمدة 12 سنة، تم تخفيفه إلى السجن لمدة ثلاث سنوات من قبل محكمة الاستئناف. وفي 24 مايو/أيار 2008 أُطلق سراح زياد فقراوي، لأنه قضى مدة حكمه.

ويتكرر صدى هذه الحالة في العديد من الحالات الأخرى الواردة في هذا التقرير. فهي تبين عجز الوكيل العام وقضاة التحقيق عن اتخاذ الإجراء المناسب عندما تُقدم إليهم شكاوى أو أدلة على التعذيب وغيره من انتهاكات حقوق المعتقلين. وتوحي هذه الحالة بأن الوكيل العام وموظفيه، فضلاً عن قضاة التحقيق وقضاة المحاكم، إنما يساعدون فعلياً في التغطية على حالات الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي لفترة طويلة وبلا سند قانوني، بما في ذلك لفترات يحظرها حتى القانون التونسي المحلي، والتعذيب وغيره من ضروب إساءة معاملة المعتقلين، بما يشكل انتهاكاً للقانون التونسي والدولي. إن قوات الأمن المسئولة عن التعذيب وغيره من ضروب إساءة معاملة المعتقلين، ولاسيما تلك التابعة لإدارة أمن الدولة، تتمتع، بالنتيجة، بحصانة تامة.

وعلى الرغم من التقاعس المنهجي عن توفير الحماية للمعتقلين من التعذيب وغيره من الانتهاكات التي يبرزها هذا التقرير، فقد أكدت الحكومة التونسية، مراراً وتكراراً، أنها تتقيد بالتزاماتها الدولية بحقوق الإنسان. صحيح أن تونس أدخلت إصلاحات قانونية تنص نظرياً على توفير حماية أفضل لحقوق الإنسان – مع أنها تقصر عن الإيفاء بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان – فإنها في الممارسة العملية، لا تعدو أن تكون أكثر من تصريحات جوفاء.

إن وجود فجوة واسعة بين القانون والممارسة في البلاد يعتبر مؤشراً على الرفض الواعي من جانب السلطات التونسية للتقيد بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما أن القوانين التي يُفترض أن تزيد من الحماية، إنما يُضرب بها عرض الحائط من قبل السلطات التونسية، ولا تُستخدم كضمانة كافية ضد التعذيب والمحاكمات الجائرة وغيرها من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.

وعلى الرغم من الخطورة الحقيقية للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة والمحاكمات الجائرة بشكل صارخ التي يواجهها الأشخاص الذين يتم القبض عليهم بتهم ارتكاب جرائم تتعلق بالإرهاب في تونس، فقد عمدت الحكومات العربية والأوروبية وحكومة الولايات المتحدة إلى إعادة أشخاص يُشتبه في ضلوعهم في أنشطة إرهابية إلى تونس، مما يشكل انتهاكاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر على الحكومة إرسال أشخاص إلى أماكن يمكن أن يتعرضوا فيها لخطر التعذيب وغيره من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. وقد امتدحت حكومات أجنبية التدابير التونسية لمكافحة الإرهاب. فعلى سبيل المثال، أثنى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، خلال زيارته إلى تونس في أبريل/نيسان 2008، على "عزم تونس القاطع على محاربة الإرهاب، العدو الحقيقي للديمقراطية".4


وينتهي هذا التقرير بقائمة من التوصيات التفصيلية، حيث تحث منظمة العفو الدولية الحكومة التونسية على القيام بما يلي بشكل خاص:

  • تعديل قانون مكافحة الإرهاب للعام 2003، بما يجعله متسقاً تماماً مع القوانين والمعايير الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة؛

  • وضع حد للاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي، وضمان تقيد جميع عمليات القبض والاعتقال تقيداً تاماً بالإجراءات المنصوص عليها في القوانين والمعايير الدولية لحقوق الإنسان؛

  • وضع ضمانات فعالة ضد التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، ولا سيما السماح لكل من يُعتقل بالاتصال بمحام على نحو عاجل؛

  • وضع حد للانتهاكات التي تُرتكب في السجون، واحترام حقوق السجناء بما يتماشى مع القواعد النموذجية الدنيا للأمم المتحدة لمعاملة المسجونين؛

  • الوفاء بالتزامها الدولي بإجراء تحقيق في أفعال التعذيب وإساءة المعاملة والمعاقبة عليها.

حول هذا التقرير

يغطي هذا التقرير الأحداث الممتدة حتى أواسط يونيو/حزيران 2008، ويتضمن تفصيلاً لبواعث قلق منظمة العفو الدولية فيما يتعلق بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي تُرتكب في سياق سياسات الأمن ومكافحة الإرهاب التي تنتهجها السلطات التونسية. ومن بين تلك الانتهاكات: ممارسات القبض والاعتقال والتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة للمعتقلين والسجناء المحكومين، والمحاكمات الجائرة، بما فيها محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية. كما يتضمن التقرير توصيات مقدمة إلى الحكومة التونسية وإلى الحكومات الأجنبية التي تتعاون مع تونس في تدابير مكافحة الإرهاب.

وما برحت منظمة العفو الدولية تراقب بشكل وثيق أوضاع حقوق الإنسان في تونس منذ سنوات. وتستند النتائج وبواعث القلق الواردة في هذا التقرير إلى معلومات حول مئات حالات التعذيب وإساءة المعاملة، والمحاكمات الجائرة منذ سن قانون مكافحة الإرهاب في 10 ديسمبر/كانون الأول 2003. وتقوم منظمة العفو الدولية بمراقبة مصادر المعلومات العامة المتعلقة بتونس، وتجري أبحاثاً وتحقيقات في حالات فردية للانتهاكات التي ترد إليها، وتقيم صلات مستمرة مع المحاميين والنشطاء في مجال حقوق الإنسان في تونس. وخلال زياراتها المنظمة إلى تونس في يونيو/حزيران – يوليو/تموز ونوفمبر/تشرين الثاني – ديسمبر/كانون الأول 2007، أجرت منظمة العفو الدولية أبحاثاً معمقة بشأن حالات التعذيب وإساءة المعاملة والمحاكمات الجائرة. وأجرت سلسلة من المقابلات مع أقرباء المعتقلين ومحامييهم ومع سجناء سابقين، والتقت بأعضاء منظمات محلية لحقوق الإنسان. كما قامت المنظمة بمراقبة عدة جلسات في المحاكمة الشهيرة المعروفة باسم "قضية سليمان" (أنظر أدناه) في 1 ديسمبر/كانون الأول 2007 وفي يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2008.

وقد أثار مندوبو منظمة العفو الدولية بواعث قلق بشأن النتائج الأولية التي توصلوا إليها خلال الاجتماعات التي عقدتها في عام 2007 مع مسئولين حكوميين تونسيين، وبالذات مع وزير العدل وحقوق الإنسان، ومنسق حقوق الإنسان بوزارة العدل، والمدير العام للعلاقات الخارجية في وزارة الداخلية، ووزير الدولة للشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية، ورئيس اللجنة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، ومندوب رئيس الوزراء المسئول عن الوظيفة العمومية والتنمية الإدارية. كما طلبت المنظمة عقد اجتماعات مع المديريات الرئيسية في وزارة الداخلية ومع الوكيل العام والوكيل العام العسكري من أجل إثارة بواعث قلقها بشأن انتهاكات حقوق الأشخاص المعتقلين بسبب جرائم مرتبطة بالإرهاب. وطلبت عقد لقاءات مع رئيس المحكمة الابتدائية في تونس ورئيس محكمة الاستئناف في تونس لمناقشة تطبيق قانون مكافحة الإرهاب.5بيد أن تلك الطلبات لم تلق أية استجابة. وأثارت منظمة العفو الدولية بواعث القلق بشأن النتائج الأولية التي توصلت إليها مع ممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في تونس ومع السفير الأمريكي في تونس، وخاصة قضية ترحيل حكومات تلك الدول لمواطنين تونسيين ممن يُشتبه في ضلوعهم في الإرهاب، على الرغم من ارتفاع نسبة المخاطرة في تعرضهم للتعذيب. وفي العديد من ردودها، اعتبرت السلطات التونسية بواعث قلق منظمة العفو الدولية محض مزاعم غير مثبتة وحالات فردية لا تعكس أنماطاً للانتهاكات، وأبرزت الحماية التي يوفرها القانون التونسي ضد انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي مايو/أيار 2008، بعثت منظمة العفو الدولية بمذكرة إلى كل من وزير العدل وحقوق الإنسان ووزير الداخلية والتنمية المحلية. وتضمنت المذكرة معلومات وتفاصيل حول 14 حالة اتُهم فيها المشتبه فيهم بجرائم تتعلق بالإرهاب إما بموجب قانون مكافحة الإرهاب أو بموجب مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية. وقد أظهرت تلك الحالات الممارسات المسيئة التي لا تزال تقع في تونس في سياق مكافحة الإرهاب. وطلبت المذكرة من السلطات التونسية مزيداً من المعلومات حول هذه الحالات وتوضيحاً بشأن الخطوات التي اتُخذت للتحقيق في الانتهاكات المزعومة، وضمان مساءلة جميع الموظفين المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما ترغب منظمة العفو الدولية في إبرازه في هذا التقرير. ولم تتلق المنظمة رداً حتى وقت طباعة هذا التقرير. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحكومة التونسية لم تقدم سوى أجوبة مضللة إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مارس/آذار 2008، وبعد ذلك إلى مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2008، حيث استمرت في إنكار وقوع انتهاكات في تونس. إن منظمة العفو الدولية تنشر هذا التقرير لفضح التفاوت المتنامي بين بيانات الحكومة التونسية وقوانينها والتزاماتها الدولية بحقوق الإنسان من ناحية، وبين ما يحدث في الواقع العملي من ناحية أخرى.

خلفية

اعتبرت السلطات التونسية صعود المد الإسلامي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن المنصرم في تونس والبلدان المجاورة تهديداً للمشروع الذي تريده لتونس "كبلد علماني حديث". وللحؤول دون تزايد نفوذ الحركات الإسلامية المتنامية الشعبية، حظرت السلطات الأحزاب السياسية التي تقوم على أساس الدين، وشنت حملة قمعية ضد النشطاء الإسلاميين والمتعاطفين معهم. وعقب أعمال العنف التي وقعت في عامي 1990 و 1991،6أُلقي القبض على مئات من أعضاء حركة النهضة الإسلامية المحظورة المعروفين أو المزعومين، وقُدموا إلى محاكم عسكرية في عام 1992 بتهم التآمر للإطاحة بالحكم والانتماء إلى منظمة غير مرخصة.7

ومع أن قيادة حركة النهضة كررت شجبها لاستخدام العنف، فقد اعتبرتها السلطات التونسية منذ أواخر الثمانينيات منظمة إرهابية ضالعة في العنف ، وقامت بسجن معظم أعضائها في تونس، وأصدرت مذكرات اعتقال دولية عبر "الانتربول" ضد المقيمين في الخارج، وطلبت تسليمهم إلى تونس.8وقد سُجنت قيادة الحركة بأكملها تقريباً، وتعرض العديد من زعمائها للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، وعانوا من الإهمال الطبي داخل السجن. لقد أُطلق سراح معظمهم منذ ذلك الحين، ولكنهم ظلوا يتعرضون لتدابير تعسفية تحول دون إعادة اندماجهم في المجتمع: إذ تُفرض قيود على حرية تنقلهم وعلى إمكانية حصولهم على الرعاية الصحية والتعليم والوظائف، ويتم القبض عليهم واحتجازهم بصورة عشوائية.

ومع ذلك، فقد استمرت السلطات، بلا كلل أو ملل، في استخدام بواعث القلق "الأمنية" كذريعة لقمع الإسلاميين والمعارضة السياسية بوجه عام. واستمرت عمليات اعتقال أفراد الجماعات الإسلامية الأقل نفوذاً وأقل شهرة على مدى سنوات التسعينيات من القرن المنصرم. ومع سن قانون مكافحة الإرهاب في عام 2003، قُبض على مئات الأشخاص، بينهم أطفال دون سن الثامنة عشرة، بسبب جرائم مزعومة مرتبطة بالإرهاب. وجمعت منظمة العفو الدولية قائمة تضم 977 شخصاً ممن قُدموا إلى المحاكمة منذ يونيو/حزيران 2006 بموجب قانون مكافحة الإرهاب. وقال المحامون ونشطاء حقوق الإنسان وحتى سجناء سابقون من أعضاء حركة النهضة إن معاملة هؤلاء كانت أقسى من المعاملة التي سادت في التسعينيات من القرن الماضي. والطابع الغالب عليهم أنهم شباب ملتزمون دينياً في أواسط العشرينيات من العمر، يترددون على المساجد ويناقشون الاتجاهات الدينية مع إضرابهم في الفكر والأوضاع في العراق وفلسطين، ويعبرون عن آرائهم بشأن الانضمام أو عدم الانضمام إلى الجماعات السلفية الجهادية في العراق وبلدان أخرى. وقد أُدينوا جميعاً تقريباً بتهم التخطيط للانضمام إلى جماعات جهادية في الخارج أو تحريض آخرين على الانضمام إليها، ولكنهم لم يُدانوا بتهم التخطيط لارتكاب أعمال عنف أو ارتكابها فعلاً. وبالفعل فإن تونس خالية من العنف السياسي منذ سنوات، باستثناء التفجير الذي نُفذ خارج كنيس يهودي في جربة في أبريل/نيسان 2002، والذي أسفر عن مقتل 21 شخصاً، والصدام الذي وقع في ديسمبر/كانون الأول 2006 بين قوات الأمن وجماعة مسلحة، حددتها السلطات فيما بعد بأنها تدعى "جنود أسد بن الفرات"، والذي قُتل فيه 14 شخصاً، بينهم اثنان من أفراد الأمن. وقد ربطت السلطات الحادثتين بتنظيمي "القاعدة" و"القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وهي جماعة مسلحة عُرفت بأنها مسئولة عن شن هجمات ضد المدنيين في الجزائر.

إن منظمة العفو الدولية تشجب، بلا تحفظ، الهجمات على المدنيين، وتدعو إلى تقديم المسئولين عنها إلى العدالة ضمن إجراءات تفي بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة. وهي تعترف بحق الحكومة التونسية في حماية السكان المدنيين من الاعتداءات، بما في ذلك عن طريق منع مثل تلك الأفعال والتحقيق فيها والمعاقبة عليها. بيد أن السلطات التونسية، وهي تضطلع بمسؤولياتها، يجب أن تتخذ تدابير قانونية ومتناسبة، وأن تتقيد، في جميع الأوقات، بالقوانين والمعايير الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) وغيرهما من المعاهدات التي أصبحت تونس دولة طرفاً فيها. فهذه المعاهدات تنص على معايير يجب أن تتقيد بها الحكومات في جميع الأوقات، حتى بعد وقوع أشد الجرائم بشاعة. وإن أية قوانين أو سياسات أو ممارسات تهدف إلى مواجهة الاعتداءات على السكان المدنيين يجب ألا تؤدي إلى تقويض حكم القانون أو عدم الالتزام التام بالقوانين والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وقد فشلت السلطات التونسية في هذا الشأن فشلاً ذريعاً حتى الآن. ففي محاولاتها الدؤوبة لاستباق تشكيل ما تطلق عليه اسم "خلايا إرهابية" داخل تونس، ألقت هذه السلطات القبض على أشخاص واحتجزتهم بصورة تعسفية، واستخدمت التعذيب وإساءة المعاملة، وحاكمتهم وأدانتهم وحكمت عليهم بناء على إجراءات جائرة، منها محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية من دون أدلة تُذكر لإثبات التهم.

وعلى المستوى الدولي، سعت الحكومة التونسية إلى عودة التونسيين الذين يُزعم بأنه يُشتبه في ارتكابهم جرائم "إرهابية" إلى البلاد. فأجهزة الأمن والمخابرات تراقب المواطنين التونسيين المشتبه في ارتكابهم مثل هذه الجرائم في الخارج، أو المطلوبين للسلطات التونسية. وقد قُبض على العديد من التونسيين بسبب جرائم مرتبطة بالإرهاب في بلدان عدة، منها الجزائر ومصر وفرنسا وإيطاليا وسوريا. وهناك آخرون ذكر أقرباؤهم وكذلك وسائل الإعلام أنهم لقوا حتفهم في العراق، بينما عُثر على أسماء ما لا يقل عن 30 تونسياً ممن انضموا، أو اعتزموا الانضمام، إلى جماعات مسلحة في العراق في سجلات استولت عليها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق في أكتوبر/تشرين الأول 2007 بحسب ما ورد.9

بيد أن العديد من الأشخاص الذين أُعيدوا قسراً قد تعرضوا لانتهاكات حقوق الإنسان على أيدي السلطات التونسية، ومن بينها الاعتقال التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة والمحاكمات الجائرة بشكل صارخ. ووقع بعضهم ضحايا للاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة.

وحدثت عمليات نقل لمواطنين تونسيين من الخارج لأسباب أمنية، وذلك بالتعاون مع حكومات أوروبية وعربية ومع الحكومة الأمريكية. وفي بعض الحالات، جاءت عودة الأشخاص بعد طلب تسليمهم من قبل السلطات التونسية. وفي حالات أخرى جاءت العودة نتيجة لأمر ترحيل من قبل السلطات الأجنبية، وغالباً ما يتم ذلك بعد رفض طلبات اللجوء. وشكلت جميع حالات العودة تلك انتهاكاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وتم تنفيذها على الرغم من الوثائق التي قدمتها منظمات غير حكومية وطنية ودولية لإبراز الأخطار الكبيرة للتعذيب وغيره من الانتهاكات، التي تواجه الأشخاص المهددين بالعودة القسرية.

وأظهرت الحكومة التونسية دعمها المتكرر للجهود الدولية لمكافحة الإرهاب. وتستضيف تونس الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب في تونس العاصمة، حيث تُعقد اجتماعات وزارية منتظمة واجتماعات لرؤساء وحدات مكافحة الإرهاب لتنسيق الجهود الأمنية الإقليمية. وفي عام 2007، استضافت تونس كذلك مؤتمراً دولياً حول الإرهاب نظَّمته بشكل مشترك كل من دائرة الشؤون السياسية للأمم المتحدة، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ومنظمة المؤتمر الإسلامي. وقد شارك في المؤتمر كل من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي- مون والرئيس التونسي زين العابدين بن علي. وفي الجلسة الافتتاحية، شدد بن علي على أهمية اتفاقيات الأمم المتحدة التي اعتمدتها الجمعية العامة ومجلس الأمن والمنظمات والمؤسسات الدولية المتخصصة في الحرب على الإرهاب.10

بيد أن تونس، في الوقت نفسه، لم توافق على دعوة المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب لزيارة البلاد إلا في 9 يونيو/حزيران 2008، على الرغم من الطلبات المتكررة من جانب المقرر الخاص لزيارة البلاد على مدى السنوات الثلاث الماضية.11ولا تزال ترفض زيارة المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني باستقلال القضاة والمحامين والمقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، مع أنها أشارت أمام لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مارس/آذار 2008 إلى أنها ستوجه الدعوة إلى الأخير لزيارة البلاد. ومع ذلك، فإن السلطات التونسية لم توجه دعوة إلى المقرر الخاص المعني بالتعذيب لزيارة تونس في المذكرة التي بعثت بها في 9 يونيو/حزيران 2008 فيما يتعلق بتنفيذ التوصيات المنبثقة عن المراجعة الدورية العالمية أمام مجموعة العمل الخاصة بمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

.2 القوانين والسياسات الخاصة "بمكافحة الإرهاب" في تونس

قوانين مكافحة الإرهاب في تونس

عقب حوادث العنف التي وقعت في عامي 1990 و 1991، قامت السلطات التونسية بتعديل قانون العقوبات في عام 1993، ليتضمَّن تعريفاً فضفاضاً للإرهاب. فالمادة 52 مكرر من قانون العقوبات تنص على أنه "توصف بإرهابية كل جريمة لها علاقة بمشروع فردي أو جماعي يستهدف النيل من الأشخاص أو الممتلكات لغرض التخويف والترويع، وتعامل معاملة الجرائم المتصفة بإرهابية أعمال التحريض على الكراهية أو التعصب العنصري أو الديني مهما كانت الوسائل المستعملة".12

كما استُخدمت المادة 52 مكرر لتجريم أنشطة معارضة مشروعة وسلمية. وكثيراً ما واجه أعضاء الحركات غير المرخصة، من قبيل "النهضة" و"الأنصار" و"أهل السنة والجماعة"، الذين اتهموا في السابق بالانتماء إلى منظمة غير مرخصة، تهمة دعم منظمة "إرهابية"، وهي جريمة يعاقب عليها بأحكام أشد.

وبعد مرور أربعة أشهر على التفجير الذي وقع في جربة في أبريل/نيسان 2002، أكدت السلطات التونسية إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الإرهاب في أغسطس/آب 2002 بأنه تم تقديم "مشروع قانون شامل حول مكافحة الإرهاب" إلى مجلس النواب.13وفي 10 ديسمبر/كانون الأول 2003، اعتُمد المشروع ليصبح القانون عدد 2003-75 المتعلق بدعم الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب ومنع عمليات غسل الأموال.



وتنص المادة 1 من قانون مكافحة الإرهاب على أن تونس ستقوم بمكافحة الإرهاب بما يتماشى مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية والإقليمية والثنائية المصادق عليها من قبل تونس ومع الاحترام الكامل للضمانات الدستورية. بيد أن هناك جوانب معينة لقانون مكافحة الإرهاب تظل موضع تساؤل، ومنها بالذات ما يتعلق بتجريم أفعال "الإرهاب"، و"أفعال التحريض على الكراهية أو التعصب العنصري أو الديني بغض النظر عن الوسائل المستخدمة"، والصيغة الفضفاضة إلى حد أنها قد تشمل أشكالاً مشروعة من التعبير السلمي؛ والمسؤولية الجنائية المحتملة التي قد تترتب على سلوك ما خالٍ من النوايا الجنائية والعواقب غير المقصودة التي قد تعتبر مخلة بالقانون؛ والقيود التي يفرضها القانون على الحقوق في المحاكمة العادلة للمتهمين في القضايا المرتبطة بالإرهاب؛ وإمكانية الاعتقال قبل المحاكمة لفترات طويلة من دون إجراء مراجعة للقضية.

إن تعريف الإرهاب الوارد في قانون مكافحة الإرهاب أوسع بكثير من التعريف الوارد في المادة 52 مكرر من قانون العقوبات، الذي حلَّ محله.14فهو يوسع نطاق فكرة "الإرهاب" لتشمل الأفعال التي من شأنها "التأثير على سياسة الدولة" أو "الإخلال بالنظام العام"، وتجرُّ عواقب بعيدة المدى على الحق في حرية التعبير والتجمع والاشتراك في الجمعيات. إن التعريف المُبهم والفضفاض "للإرهاب"، مع ما يُبنى على أساسه من جرائم، ربما يشكل انتهاكاً لمبدأ القانونية واليقين القانوني بسبب ما يكتنفه من غموض واتساع، وبالتالي فإنه يفشل في الإيفاء بمتطلبات الوضوح والدقة التي يجب أن تتوفر في القانون الجنائي. وقد لا تصل الجريمة إلى حد "الجريمة الجنائية المعترف بها" بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. ولذا، فإن إلقاء القبض على الأشخاص واعتقالهم واتهامهم ومحاكمتهم بناء على مثل هذا التعريف قد يؤدي إلى الظلم ويقوض مبدأ حماية حقوق الإنسان وحكم القانون.

في تقريره عام 2005، لاحظ المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها أثناء مكافحة الإرهاب أن تعريف الإرهاب الوارد في قانون مكافحة الإرهاب التونسي هو تعريف عام وفضفاض للغاية، ويمكن أن يُستخدم كإجراء قمعي لمنع المعارضة المشروعة.15وقد كررت لجنة حقوق الإنسان بواعث قلق مماثلة في ملاحظاتها الختامية المتعلقة بتونس في مارس/آذار 2008.16

كما يجرِّم قانون مكافحة الإرهاب أنشطة إرهابية محددة وغيرها من الأنشطة، بالإضافة إلى أفعال التحريض على الأعمال الإرهابية ودعمها وتمويلها، ويعاقب عليها بصفتها جرائم منفصلة عن الفعل الرئيسي أو مستقلة عن أي عمل إرهابي محدد. ونتيجةً لذلك فإنه عندما يُعتبر فعل ما إرهابياً، فإنه يترتب عليه تلقائياً تطبيق أشد العقوبات بحق الأشخاص المدانين به.

وعلاوة على ذلك، فإن المواطنين التونسيين المقيمين في الخارج ربما يُتهمون بارتكاب جرائم بموجب قانون مكافحة الإرهاب وأحكام مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية، الذي يُدرج جرائم جنائية معينة تحت الولاية القضائية للمحاكم العسكرية، من قبيل الإخلال بأمن الدولة الداخلي والخارجي للدولة (المادة 5) – ويسمح بتقديم المدنيين المتهمين بارتكاب مثل هذه الجرائم أمام المحاكم العسكرية (المادة 8).17كما تعطي مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية السلطات صلاحية مقاضاة المواطنين التونسيين الذين يضعون أنفسهم في زمن السلم تحت تصرف جيش أجنبي أو منظمة "إرهابية" تعمل بالخارج (المادة 123).18

كما يعطي قانون مكافحة الإرهاب صلاحيات استثنائية إلى الضابطة العدلية والوكيل العام وقضاة التحقيق التابعون لدائرة المحكمة الابتدائية في تونس بالتحقيق في جرائم الإرهاب والمقاضاة عليها في جميع أنحاء تونس. وتتمتع المحكمة الابتدائية التونسية بتونس العاصمة بسلطة محاكمة الأشخاص المتهمين بمثل هذه التهم.

دور إدارة أمن الدولة

إن الجهازين الرئيسين للشرطة التونسية هما: جهاز الأمن الوطني، وهو قوة حضرية بشكل رئيسي، والحرس الوطني، وهو قوة ريفية أساساً، ولكنه يضطلع بعدد من الواجبات شبه العسكرية والدفاعية كقوة مكافحة الشغب، والحرس الشخصي ودوريات الحدود، بالإضافة إلى بعض الأعمال في المدن. ويعمل كلا الجهازين تحت إمرة مكتب الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية. أما الضابطة العدلية، وهي فرع للأمن الوطني، فإنها تخضع للمسؤولية المشتركة لوزارتي الداخلية والعدل. وهي متخصصة في القبض على المذنبين بموجب القانون التونسي وجمع الأدلة ضدهم؛ كما أن الحرس الوطني يمارس الوظائف نفسها.

وقد طلبت منظمة العفو الدولية عقد اجتماعات مع رؤساء عدد من المديريات الرئيسية في وزارة الداخلية خلال البعثة التي أوفدتها في نوفمبر/تشرين الثاني – ديسمبر/كانون الأول 2007، وذلك لمزيد من الاستفسار حول هيكل الشرطة والأمن في تونس. وتأسف المنظمة لأنها لم تتلق أية ردود على طلباتها مع أن مندوبيها قابلوا المدير العام للعلاقات الخارجية في وزارة الداخلية، الذي قال لمنظمة العفو الدولية إنه تم إنشاء إدارتين مركزيتين لمكافحة الإرهاب ضمن جهازي الأمن الوطني والحرس الوطني، وذلك في صيف عام 2007.

وإدارة أمن الدولة جزء من الإدارة العامة للوحدات المختصة في الأمانة العامة للأمن الوطني، وغالباً ما يُشار إليها في تونس باسم الشرطة السياسية. وهي تلعب دوراً مركزياً في مراقبة النشطاء والمعارضين السياسيين، بالإضافة إلى الجماعات أو الأفراد الذين تعتبر الحكومة أنهم يشكلون تهديداً لها، ومنهم الإسلاميون ونشطاء حقوق الإنسان والصحفيون. وينفذ أفراد إدارة أمن الدولة عمليات الاعتقال وتفتيش البيوت ويجرون الاستجواب الأولي للمشتبه فيهم بصفتهم ضابطة عدلية. ويبدو أنه لا يوجد قانون أساسي علني يحدد واجبات هذه الإدارة أو تنظيمها.

وكان أفراد إدارة أمن الدولة مسئولين عن عدد من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، ومن بينها عمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، ومضايقة محاميي الأشخاص المشتبه في قيامهم بأعمال إرهابية وأقربائهم. ومع أن وزارة الداخلية تشرف على أفراد إدارة أمن الدولة، فإنهم مازالوا يتصرفون بنوع من الحصانة، ولا تتوفر أية معلومات عما إذا اتُخذت أي إجراءات جنائية أو تأديبية بحق أفراد إدارة أمن الدولة بسبب هذه الانتهاكات.

.3 عمليات التوقيف والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاختفاء القسري

اعتُقل وليد العيوني، الذي كان يعمل مصمماً داخلياً في دبي بالإمارات العربية المتحدة، مع شقيقه التوأم خالد، الذي كان سابقاً في سوريا. وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2005 أُعيد كلاهما بصورة غير طوعية إلى تونس، حيث قبض عليهما أفراد إدارة أمن الدولة عند وصولهما. وقد أُطلق سراح وليد بعد احتجازه لمدة أسبوع، بينما ظل خالد قيد الاعتقال، ووُجهت إليه فيما بعد تهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من إطلاق سراحه، فقد استُدعي وليد مراراً من قبل الشرطة في تونس، وظل ملتزماً بالتعليمات دائماً. وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 2006، ذهب إلى مركز الشرطة بعد تلقيه مكالمة هاتفية من إدارة أمن الدولة، إلا أنه لم يعد إلى منـزله بعد ذلك، فكان ضحية للاختفاء القسري لمدة تزيد على شهر.

وقالت والدته ومحاموه لمنظمة العفو الدولية خلال اجتماع في نوفمبر/تشرين الثاني 2007، إنهم سألوا عنه في وزارة الداخلية، وأُبلغوا بأنه لم يكن معتقلاً. وفي 13 ديسمبر/كانون الأول، قام أفراد إدارة أمن الدولة بتفتيش منـزله واستخدموا مفاتيحه لفتح خزانة ملابس، ومع ذلك فقد استمروا في إنكار اعتقاله أو الكشف عن أية معلومات حول مكان وجوده. وفي الحقيقة، لم تتلق عائلته ومحاميه تأكيداً بأنه موجود في الحجز إلا عندما مثُل أمام قاضي التحقيق في 19 يناير/كانون الثاني 2007، حيث تم استجوابه من دون حضور محاميه. ويذكر محضر بحث الشرطة أنه قُبض عليه في 17 يناير/كانون الثاني 2007، أي بعد مرور أكثر من شهر على تاريخ اعتقاله الفعلي. وقد زعم بأنه تعرض للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة (أنظر الفصل المتعلق بالازدراء بالضمانات ضد التعذيب).

وبموجب قانون مكافحة الإرهاب وُجهت إلى وليد العيوني تهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية وغسل أموال لتمويل الإرهاب، وذلك على ما يبدو بسبب إعطائه مبلغاً من المال إلى شقيقه خالد، الذي اتُهم بارتكاب جرائم مرتبطة بالإرهاب في قضية منفصلة. وفي 16 يناير/كانون الثاني 2008، برأت المحكمة الابتدائية في تونس ساحة وليد العيوني، وأُطلق سراحه.

انتهاك إجراءات الاعتقال

لم يكن الاعتقال غير القانوني والاختفاء القسري لوليد العيوني أمراً استثنائياً. فمنذ دخول قانون مكافحة الإرهاب حيز النفاذ في ديسمبر/كانون الأول 2003، اعتُقل مئات، وربما آلاف الأشخاص للاشتباه في ضلوعهم في جرائم مرتبطة بالإرهاب. وقد نفذ العديد من عمليات الاعتقال أفراد أمن يرتدون ملابس مدنية، يُعتقد عموماً بأنهم من أفراد إدارة أمن الدولة، الذين قاموا بتفتيش البيوت. وغالباً ما كانت عمليات الاعتقال وتفتيش البيوت تتم في منتصف الليل، وهو ما يشكل انتهاكاً لقانون الإجراءات الجزائية التونسي.

ولا يأتي القانون التونسي على ذكر ضرورة إبراز بطاقة اعتقال أو حتى إثبات هوية خلال عملية الاعتقال. فإذا تمت عملية الاعتقال في حالات التلبس بالجريمة، أو إذا كانت جزءاً من إجراءات اعتيادية، فإنه يجوز القبض على الشخص من دون بطاقة اعتقال. ولا يتم إبراز البطاقة إلا إذا كان الاستدعاء بأمر من قاضي التحقيق، وفي هذه الحالة يجب أن تتضمن المذكرة معلومات حول اسم المتهم وعمره وتاريخ ومكان ولادته، والتهم الموجَّهة إليه. 19ولا يجوز القيام بعمليات تفتيش للمنازل في الفترة الواقعة بين الساعة الثامنة مساء والسادسة صباحاً، إلا في حالات التلبس بالجريمة أو عندما يكون ذلك ضرورياً من أجل القبض على شخص مشتبه فيه أو شخص فار.20وتنص المادة 102 من قانون العقوبات على توقيع عقوبة السجن لمدة لا تتجاوز سنة واحدة على الموظف العام الذي يدخل منـزل شخص آخر من دون مراعاة الإجراءات الرسمية ومن دون موافقة الأخير.

الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي لفترة طويلة والاختفاء القسري

إن الأشخاص الذين قُبض عليهم، بمن فيهم أولئك الذين أُعيدوا قسراً إلى تونس من بلدان أوروبية وغيرها من البلدان (أنظر الفصل 7 المتعلق بالانتهاكات ضد من أعيدوا إلى تونس)، كثيراً ما احتُجزوا على أيدي أفراد إدارة أمن الدولة بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة، وصلت إلى أسابيع أو أشهر. وخلال تلك الفترة، لا يتم الاعتراف بوقوع حادثة الاعتقال، أو يتم إخفاء مصير المعتقل أو مكان وجوده، ويُترك خارج نطاق حماية القانون، وهي حالة تصل إلى درجة الاختفاء القسري.

إن الاختفاء القسري مثير للقلق العميق لأنه يضع الأشخاص الذين يتعرضون له خارج نطاق حماية القانون ويعرِّضهم، بفعل السرية التي تحيط بأوضاعهم، إلى خطر التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة على أيدي المسئولين القادرين على التهرب من المساءلة والتصرف بحصانة تامة تقريباً.

ينص المبدأ (1) 16 من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن على أنه "يكون للشخص المحتجز أو المسجون، بعد إلقاء القبض عليه مباشرة وبعد كل مرة يُنقل فيها من مكان احتجاز أو سجن إلى آخر، الحق في أن يتم إخطاره أو يُطلب من السلطة المختصة أن تُخطر أفراداً من أسرته أو أشخاصاً مناسبين آخرين يختارهم، بالقبض عليه أو احتجازه أو سجنه أو بنقله أو بالمكان الذي هو محتجز فيه." وينص المبدأ 13 من مجموعة المبادئ على أن السلطة المسئولة عن الاعتقال يجب أن تقوم فوراً بتزويد الشخص الذي يُعتقل بمعلومات عن حقوقه "وبتفسير لهذه الحقوق وكيفية الاستفادة منها".

ويمنح القانون التونسي إلى الوكيل العام صلاحية الإشراف على الضابطة العدلية والإشراف على أماكن الاعتقال قبل المحاكمة وزيارتها. ووفقاً للمادة 13 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية، فإنه لا يجوز للشرطة أو الحرس الوطني اعتقال المشتبه بهم لمدة تزيد على ثلاثة أيام؛ وينبغي إبلاغ الوكيل العام بكل عملية اعتقال وتخويله صلاحية تمديد الاحتفاظ،21بأمر خطي وفي "حالة الضرورة"، لمدة ثلاثة أيام أخرى، أي ما مجموعه ستة أيام. ويُطلب من السلطات التي تقوم بالاعتقال إشعار المعتقلين بالإجراءات المتخذة ضدهم وبسبب/أسباب ومدة اعتقالهم وتلاوة الضمانات التي يوفرها لهم القانون، ومنها الحق في إجراء فحص طبي خلال فترة الاعتقال وبعدها. كما يجب أن تُبلغ أحد أفراد عائلة المعتقل المقربين بوقوع الاعتقال. وخلال فترة الاحتفاظ وبعدها يجوز للمعتقل أو أحد أفراد عائلته المقربين أن يطلب إجراء فحص طبي له. كما ينبغي تسجيل تواريخ وأوقات بدء الاحتفاظ وانتهائه وتواريخ وأوقات بدء الاستنطاق وانتهائه في سجل يُحتفظ به في كل مركز للشرطة. وتنص المادة 13 من قانون الإجراءات الجزائية على أن أفراد الضابطة العدلية يجب أن يُبلغوا الوكيل العام بأية إجراءات يتخذونها أو جرائم يكتشفونها.

ترحب منظمة العفو الدولية بهذه الضمانات التي أُدخلت في عام 1999، وكان يجب أن تُستخدم لتوفير حماية أكبر للمعتقلين أثناء فترة الاحتفاظ.22بيد أنها في الممارسة العملية ليست أكثر من مواد تجميلية على ما يبدو. فلطالما استهترت السلطات المسئولة عن الاعتقال بهذه الضمانات بصورة اعتيادية، ولم تُستخدم كضمانات كافية ضد التعذيب وغيره من الانتهاكات. وقد ظلت حقيقة أن القانون التونسي لا يكفل للمعتقلين الحق في الاتصال بمحاميين بعد الاعتقال مباشرة، من المثالب الرئيسية التي تعرِّض المعتقلين لخطر التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة، وتحرمهم من الوسائل الفعالة للطعن في قانونية اعتقالهم أمام المحكمة، بحسب ما تنص عليه المادة (4) 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وعلاوة على ذلك، فإن المادة (3)9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أن "أي شخص يُقبض عليه أو يُحتجز بتهمة جنائية يجب أن يمثُل على نحو عاجل "أمام قاض أو ضابط يخوله القانون ممارسة سلطة قضائية". وقد طبَّقت لجنة حقوق الإنسان هذا البند أيضاً على الحالات التي يُحتجز فيها الشخص بسبب مزاعم جنائية، لكن من دون توجيه تهم رسمية. ويُعتقد أن عبارة "على نحو عاجل" في هذا السياق تعني أن أي تأخير "يجب ألا يتجاوز بضعة أيام". ولا يبدو أنه يتم احترام مثل هذه الشروط في الممارسة العملية في تونس بالنسبة للأشخاص الذين يُقبض عليهم أو يُحتجزون للاشتباه في ارتكابهم جرائم مرتبطة بالإرهاب.

وفي معظم الحالات المرتبطة بالإرهاب، احتُجز المعتقلون بمعزل عن العالم الخارجي لمدة تزيد على المدة المحددة المنصوص عليها في المادة 13 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية. وبالإضافة إلى المعتقلين في مبنى وزارة الداخلية في تونس العاصمة، فإن الأشخاص الذين قُبض عليهم خارج العاصمة يُحتجزون كذلك بمعزل عن العالم الخارجي لعدة أيام في مراكز الشرطة والحرس الوطني قبل نقلهم إلى العاصمة. وكثيراً ما عمدت السلطات المسئولة عن الاعتقال إلى إخفاء أو إنكار احتجاز المعتقلين المعنيين، ورفضت كشف النقاب عن أية معلومات تتعلق بهم وبظروفهم إلى عائلاتهم ومحامييهم.

عدم إبلاغ العائلة

مثلما توضح الأمثلة على بعض الحالات الواردة في هذا التقرير، فإن العائلات التي طلبت من وزارة الداخلية والوكيل العام معلومات بشأن أبنائها الذين اعتقدوا أنهم كانوا محتجزين لدى إدارة أمن الدولة، حتى في حالة وجود محام، قالت إن السلطات رفضت التأكيد على أن الأشخاص المعنيين موجودون في الحجز أو الإفصاح عن اية معلومات أخرى، من قبيل أسباب الاعتقال أو مكان الاحتجاز. ولم تتمكن بعض العائلات من الحصول على أخبار أبنائها إلا من خلال مصادر غير رسمية من داخل الشرطة أو من معتقلين آخرين بعد إطلاق سراحهم، أو بعد نقل أقربائهم المعتقلين إلى السجون والسماح لهم بتلقي الزيارات. وغالباً ما لا تستجيب السلطات لطلبات المحاميين والعائلات بتزويدهم بمعلومات عن أقربائهم إلا بعد استكمال استنطاق المعتقلين من قبل إدارة أمن الدولة ومثولهم أمام قاضي التحقيق؛ وفي بعض الحالات ظلت أماكن وجود المعتقلين قيد الكتمان لعدة أيام حتى بعد مثولهم أمام قاضي التحقيق. وهذا يعني أن الوكيل العام قد لا يتم إبلاغه فوراً ببعض عمليات الاعتقال التي ينفذها أفراد إدارة أمن الدولة، وهو ما يشكل انتهاكاً للمادة 13 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية والمادة 33 من قانون مكافحة الإرهاب.

تزييف تاريخ الاعتقال

تعمد الشرطة، بما فيها إدارة أمن الدولة، في العديد من الحالات في القضايا السياسية والأمنية، إلى تزييف تواريخ الاعتقال في الوثائق الرسمية، وذلك للإيحاء بأن الشخص المعتقل قُبض عليه بعد أيام أو حتى أسابيع من تاريخ القبض عليه فعلاً. وبهذه الطريقة، تخلق السلطات وهماً بأنها ملتزمة بالقانون الدولي، في الوقت الذي تحتفظ فيه بالمعتقلين خلال الفترة الأولى للاعتقال من دون سند قانوني في القانون التونسي، بما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. وهذه ممارسة قديمة طالما لفتت منظمة العفو الدولية الانتباه إليها في السابق، ولكن السلطات التونسية لا تزال تسمح بها على ما يبدو.

إن تزييف الشرطة لتواريخ القبض على المعتقلين يؤدي إلى تسهيل إساءة استخدام الاحتفاظ لغايات الاستجواب والتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة. وفي بعض الحالات، كان هناك تفاوت كبير جداً بين تاريخ الاعتقال الفعلي الذي ذكره المعتقل وأفراد عائلته أو غيرهم من الشهود على عملية الاعتقال، وبين تاريخ الاعتقال الرسمي الذي يظهر في محضر بحث الشرطة. وقد حاول أقرباء المعتقلين ومحاموهم أحياناً فضح هذا الأمر عن طريق إرسال استفسارات حول المعتقلين إلى السلطات بالبريد المسجل، وتمكنوا من إبراز أنها أُرسلت فعلاً قبل بضعة أيام أو أسابيع من تاريخ الاعتقال المسجل رسمياً في محضر بحث الشرطة.

محمد أمين الجزيري

اعتُقل محمد أمين الجزيري في 24 ديسمبر/كانون الأول 2006، عندما كان في طريقه إلى مستشفى سيدي بوزيد، في مدينة سيدي بوزيد، الواقعة على بعد 260 كيلومتراً إلى الجنوب من تونس العاصمة. وقد استجاب لرسالة نصية قصيرة أُرسلت له من هاتف صديقه الخليوي، يطلب منه زيارته هناك. وكانت الرسالة قد أُرسلت في الوقت الذي كان صديقه محتجزاً في مركز للشرطة. وبعد اختفائه، سأل والده عنه في مركز الشرطة في سيدي بوزيد وفي وزارة الداخلية في العاصمة، ولكنهم أجابوه مراراً بأنه لا يوجد لديهم سجل له. ولكن في 27 ديسمبر/كانون الأول، قامت مجموعة من الرجال الذين يُعتقد بأنهم أفراد شرطة بملابس مدنية، بتفتيش منـزل محمد أمين الجزيري، مستخدمين مفاتيحه لدخول المنـزل.

وكان محمد أمين الجزيري واحداً من عشرات الأشخاص المحتجزين لدى الشرطة في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2006 ويناير/كانون الثاني 2007، عقب وقوع تبادل لإطلاق النار في 23 ديسمبر/كانون الأول 2006 بين قوات الأمن التونسية وأعضاء مزعومين في جماعة مسلحة متحالفة مع تنظيم القاعدة، حددت السلطات التونسية هويتها فيما بعد باسم "جنود أسد بن الفرات". وقد احتُجز هؤلاء بمعزل عن العالم الخارجي لعدة أسابيع في مركز اعتقال تابع لإدارة أمن الدولة في وزارة الداخلية في العاصمة، وزعموا أنهم تعرضوا هناك للتعذيب و غيره من ضروب إساءة المعاملة. وزعم محمد أمين الجزيري أنه تعرض للضرب على جميع أجزاء جسمه، والصعق بالصدمات الكهربائية، والتعليق بالسقف لعدة ساعات وصب الماء البارد عليه، والحرمان من النوم، ووضع قناع قذر على رأسه ووجهه أثناء الاستجواب. وقد مثُل أمام قاضي التحقيق للمرة الأولى في 22 يناير/كانون الثاني 2007، بعد مرور حوالي شهر على اعتقاله. وفي ديسمبر/كانون الأول 2007، حُكم عليه بالسجن 30 عاماً بعد إدانته، مع 29 شخصاً آخر، بتهم تتعلق بالإرهاب في ما سمي "بقضية سليمان". وقد أيَّدت محكمة الاستئناف في تونس الحكم في فبراير/شباط 2008، كما أيدته محكمة التعقيب في 23 مايو/أيار 2008.

.4 التعذيب لانتزاع "الاعترافات"

"ضُربتُ بعصا على جميع أجزاء جسمي، وتعرضتُ للصعق بالصدمات الكهربائية وهددوني بالقتل. وعندما طلبت قراءة تقرير الشرطة، الذي أُرغمتُ على توقيعه من دون أن تتسنى لي قراءته، تعرضت لمزيد من الضرب."

هذا ما قاله حسين طرخاني إلى محاميه في يونيو/حزيران 2007.

أساليب التعذيب وأغراضه

إن معظم مزاعم التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة يرتبط بفترات الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاعتقال غير المعترف به قبل فترة الاعتقال المسجلة رسمياً. وعلى الرغم من الأدلة الطاغية على تفشي التعذيب وإساءة المعاملة أثناء فترة الاحتفاظ، وأحياناً في السجون، فإن السلطات التونسية تزعم بأنه تم تعزيز القانون التونسي منذ عام 1999 كي يوفر مزيداً من الحماية للمعتقلين خلال فترة الاحتفاظ، التي تم تخفيضها إلى ستة أيام كحد أقصى.

ووفقاً لمعلومات حصلت عليها منظمة العفو الدولية من مصادر متعددة وموثوق بها، ومنها المعتقلون أنفسهم وعائلاتهم ومحاموهم ومنظمات غير حكومية تونسية، فإن العديد من المعتقلين يتعرضون للتعذيب أو إساءة المعاملة أثناء احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي خلال فترة الاعتقال التي تسبق المثول أمام المحكمة. وكثيراً ما يحدث ذلك بعد الاعتقال مباشرة، ولكن قبل الاعتراف رسمياً بأن المعتقل موجودة قيد الاحتفاظ.

ومن الشائع أن يُحتجز المعتقلون السياسيون والمعتقلون لأسباب تتعلق بجرائم مرتبطة بالإرهاب على أيدي أفراد إدارة أمن الدولة، ويتعرضون للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة بغية انتزاع "اعترافات" أو أية إفادات أخرى تُستخدم فيما بعد كأدلة في المحاكمات وللعقاب والترهيب على ما يبدو. إن معظم المتهمين – بمن فيهم بعض الأشخاص الذين يلقي هذا التقرير الضوء على حالاتهم – تراجعوا عن "اعترافاتهم" في المحاكمة، وزعموا أنها انتُزعت منهم تحت وطأة التعذيب أو إساءة المعاملة، ولكن المحاكم تقاعست بشكل اعتيادي عن التحقيق في مثل تلك المزاعم بشكل كافٍ، وقبلت تلك الإفادات المختلف بشأنها كأدلة تستند إليها الإدانة من دون إجراء تحقيقات كافية فيها، وهو ما يعتبر انتهاكاً للمادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب ، والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

كما وردت أنباء عن تعرض سجناء محتجزين بسبب ارتكاب جرائم مرتبطة بالإرهاب للتعذيب أو إساءة المعاملة في السجون أثناء احتجازهم في الفترة التي تسبق المحاكمة، أو أثناء قضاء مدد أحكامهم (أنظر الفصل 6، الانتهاكات في السجون).

ومن بين أساليب التعذيب الأكثر شيوعاً التي وردت لمنظمة العفو الدولية: الضرب على الجسم، ولاسيما على باطن القدمين (الفلقة)؛ والتعليق من الكاحلين في وضع ملتوٍ (حيث يُربط الضحية بعمود أفقي، مع تقييد يديه وقدميه إلى الأمام (الفروج)، أو تُربط خلف ظهره ثم يُضرب (الطيارة)؛ أو يُعلق الضحية على بكرة من كاحليه، ويتم تغطيس رأسه في دلو مليء بالماء القذر (البانيو)؛ والصعق بالصدمات الكهربائية؛ والحرق بلفافات التبغ المشتعلة. كما تلقت منظمة العفو الدولية أنباء عن إساءة معاملة المعتقلين جنسياً، بما في ذلك إدخال زجاجات أو عصي في شرج الضحية؛ والتهديد بإساءة معاملته جنسياً أو بإساءة معاملة قريباته الإناث جنسياً؛ وعمليات الإعدام الوهمية. وهذا ما حدث لكل من رمزي العيفي، الذي زُعم أنه تعرض للاغتصاب بإدخال عصا في شرجه، وأمين دياب، الذي زُعم أنه تعرض للإعدام الوهمي في سجن المرناقية في عام 2007 (أنظر أدناه).

نوفل الساسي

في 14 يونيو/حزيران 2006 قبض أفراد يُعتقد أنهم من إدارة أمن الدولة على نوفل الساسي، وهو سجين سياسي سابق وأب لأربعة أطفال، في مكان عمله. وعندما لم يعد إلى منـزله في ذلك اليوم، بحثت زوجته عنه في المستشفيات ومراكز الشرطة في تونس العاصمة، ولكنها لم تتمكن من الحصول على أية معلومات بشأنه. وفيما بعد، أخبرها شهود عيان بأن حوالي ستة رجال يرتدون ملابس مدنية اقتادوه في سيارة غير مميزة من مكان عمله. وفي 18 يونيو/حزيران 2006، سأل محاميه عنه في وزارة الداخلية وفي مكتب الوكيل العام، ولكنهم قالوا له بأنهم لا يملكون أية معلومات حول القبض عليه واحتجازه. كما سأل محاميه وأقرباؤه عنه في عدة سجون، من دون أن يتمكنوا من الحصول على أية معلومات. وبعد مرور شهرين، تلقت عائلته مكالمة هاتفية مجهولة المصدر قيل لهم فيها إن نوفل الساسي محتجز في سجن 9 أفريل.

وعندما زارته زوجته في السجن، رأت جروحاً على ظهره وآثار قيود على معصميه. وقال لها إنه تعرض لأشكال مختلفة من التعذيب، منها إرغامه على البقاء عارياً لمدة 96 ساعة وهو مقيد اليدين والقدمين، وصب الماء البارد على ظهره. وزعم أيضاً أنه تم تعليقه من كاحليه وتغطيس رأسه بالقوة في الماء لإرغامه على توقيع إفادة مكتوبة له من قبل الشرطة. وقال إن طبيباً أعطاه دواء لمعالجة الجروح التي أُصيب بها من جراء التعذيب. وكان قد بدأ إضراباً عن الطعام أثناء احتجازه في زنزانة في مبنى وزارة الداخلية، احتجاجاً على التعذيب وظروف الاعتقال القاسية.

وفي فبراير/شباط 2008، أُدين بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية وحُكم عليه بالسجن ثماني سنوات، تم تخفيضها إلى خمس سنوات من قبل محكمة الاستئناف في 27 مايو/أيار 2008.

ازدراء الضمانات ضد التعذيب

مع أن المادة 101 مكرر من قانون العقوبات التونسي تقصر عن الإيفاء بأحكام اتفاقية مناهضة التعذيب، فإنها ظلت تنص على أنه "يعاقب بالسجن مدة تصل إل ثماني سنوات كل موظف عام أو موظف من فئة مماثلة يُخضع شخصاً للتعذيب أثناء ممارسته لواجباته."

ويتولى الوكلاء العامون الإشراف على فترة الاحتفاظ، وهم بموجب المادة 26 من قانون الإجراءات الجزائية، مسئولون عن التحقيق في جميع الشكاوى التي تُقدم إليهم، بما فيها مزاعم التعذيب. كما يُطلب منهم إصدار أوامر بإجراء فحص طبي للمعتقل إذا طلب ذلك المعتقل أو أحد أقربائه المقربين ذلك، خلال فترة الاحتفاظ أو بعدها مباشرة.23إن الغرض من مثل هذا الفحص هو المساعدة على تحديد ما إذا كان المعتقل قد وقع ضحية للعنف أم لا.

ويُفترض أن توفر جلسة الاستماع الأولى أمام قاضي التحقيق ضمانة إضافية، حيث ينبغي أن تُتاح للمعتقل فرصة إحاطة القاضي علماً بما إذا كان قد تعرض للتعذيب أو غيره من ضروب إساءة المعاملة، أو احتُجز بما يشكل انتهاكاً للقانون المتعلق بالاحتفاظ. وإذا ما طُرحت مثل تلك المزاعم، فإنه يتعين على قاضي التحقيق الاستماع إلى المعتقل وتسجيل ادعاءاته وإحالتها إلى الوكيل العام كي يقوم الأخير بفتح تحقيق فيها.24بيد أن هذه الضمانات، في الممارسة العملية، ليست فعالة. ففي جميع الحالات المعروفة لمنظمة العفو الدولية، فشلت السلطات التونسية في احترام تلك المتطلبات أو في إجراء تحقيقات كافية في مزاعم التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، وتقديم الجناة المزعومين إلى العدالة

إن القانون الدولي يلزم الدول بالتحقيق في شكاوى التعذيب وإساءة المعاملة. وتنص اتفاقية مناهضة التعذيب على أن كل دولة طرف يجب أن تجري تحقيقاً عاجلاً ومحايداً عندما يتوفر سبب معقول يدعو إلى الاعتقاد بوقوع فعل من أفعال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وتنص المادة 12 بوضوح على أن هذا الواجب لا يعتمد على تقديم شكوى رسمية من قبل المعتقل. وتكفل المادة 13 حق كل شخص في "تقديم شكوى إلى السلطات المختصة، ومراجعة حالته بشكل عاجل ومحايد". وينبغي أن تؤدي مثل هذه التحقيقات إلى تحديد المسئولين عن تلك الانتهاكات ومعاقبتهم.

وينص المبدأ 24 من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن، على ضرورة إجراء فحص طبي للمعتقلين على نحو عاجل بعد إدخالهم مكان الاحتجاز. ويقر المبدأ 25 بحق المعتقل أو محاميه في تقديم طلب إلى سلطة مستقلة لإجراء فحص طبي ثانٍ أو إعطاء رأي طبي ثان. وينص المبدأ 26 على ضرورة تسجيل اسم الطبيب الذي أجرى الفحص ونتائج الفحص الطبي، وضمان الوصول إلى مثل تلك السجلات.

ولا تعرف منظمة العفو الدولية عن أية حالة في السنوات الأخيرة سُمح فيها بإجراء فحص طبي للمعتقلين أثناء وجودهم في الاحتفاظ لدى إدارة أمن الدولة، أو خضعوا لفحص طبي من قبل أطباء شرعيين في نهاية فترة اعتقالهم لدى إدارة أمن الدولة. وعندما يطلب المعتقل صراحةً إجراء فحص طبي له عند مثوله لأول مرة أمام قاضي التحقيق، فإن مثل هذا المطلب إما أن يرفضه القاضي أو لا يلقى متابعة تُذكر عندما يحيلها قاضي التحقيق إلى الوكيل العام.

وقال محامو المعتقلين وأقرباؤهم لمنظمة العفو الدولية إنهم عندما كانوا يطلبون من الوكيل العام السماح بإجراء فحص طبي للمعتقل، أو يقدمون شكوى بشأن التعذيب وإساءة المعاملة، فإن تلك الطلبات كانت تُقابل بالتجاهل المستمر. وفي بعض الحالات كان الوكيل العام يوافق على تسجيل الشكوى، لكن لا يُعرف ما إذا فُتح أي تحقيق في مضمون الشكاوى. وفي الحالات النادرة التي فتح فيها تحقيق في مزاعم التعذيب أو إساءة المعاملة، فإن مثل تلك التحقيقات لم تسفر عن أية نتائج.

وفي بعض الحالات فشل قضاة التحقيق في إحالة مزاعم التعذيب إلى الوكيل العام، حتى عندما كان المعتقل يمثل أمامهم وتظهر على جسمه علامات التعذيب المحتمل. ويقول محامو المعتقلين إن قضاة التحقيق لا يسجلون مزاعم التعذيب إلا إذا أصروا على طلب ذلك، ولكن حتى عندئذ، فإنهم يتجنبون استخدام عبارة "التعذيب" أو أي وصف لأساليب التعذيب المزعومة، ويفضلون استخدام عبارة "إكراه مادي"، وذلك كي لا تكون هناك حاجة إلى إحالة القضية إلى الوكيل العام للتحقيق فيها.

وفي تقريريها المقدمين إلى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أبريل/نيسان 2007، ذكرت الحكومة التونسية أنه "في الفترة بين عامي 2000 و 2005، تم تقديم 104 من أفراد الشرطة إلى العدالة وإدانتهم ومعاقبتهم بالسجن مدداً تصل إلى 10 سنوات". بيد أن الحكومة لم تكشف النقاب عن أية معلومات أخرى تبيِّن الجرائم التي أُدين أفراد الشرطة بارتكابها، وما إذا كان أي منها قد نجم عن محاكمات على تعذيب السجناء أو إساءة معاملتهم. وقد أعربت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في ملاحظاتها الختامية في مارس/آذار 2008 حول تونس عن أسفها "لعدم وجود بيانات إحصائية حول عدد الشكاوى الخاصة بالتعذيب المقدمة إلى السلطات والمسجلة لديها"، ودعت تلك السلطات إلى "ضمان التحقيق في جميع مزاعم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من قبل سلطة مستقلة، ومحاكمة مرتكبي مثل تلك الأفعال، بمن فيهم رؤساؤهم في هرم المسؤولية، ومعاقبتهم على ذلك، وإنصاف الضحايا، بما في ذلك تقديم تعويضات مناسبة لهم."25

وليد العيوني

زُعم أن وليد العيوني تعرض للتعذيب أو غيره من ضروب إساءة المعاملة في الحجز بانت